محمود توفيق محمد سعد
252
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
المعاني الباطنية التي بها يكون المرء آدميّا ، وعدم الإحساس بهذه النار لبلادة حسّهم لا لعدم وجودها فيهم أو وجودهم فيها ، واصطفاء النفي والاستثناء لا يتناسب معه القول بالتجوز في النار أو الأكل ، لأنّ التجوز فيه ادعاء وفي الحصر بهذا الطريق قطع وحسم والجريمة هنا لا يقدم عليه إلا من بلغ في الضلالة والقطيعة مبلغا عظيما ، فمن كان من علماء الكتاب الإلهي المنزل ثمّ يستبدل به عرضا من أعراض الدنيا التي لا تزن عند اللّه سبحانه وتعالى جناح بعوضة لا يكن صنيعه هذا إلّا من احتراق معاني الخير فيه احتراقا بالغا وفي هذا تحذير لعلماء الأمة المحمدية من أن يكتموا شيئا مما أنزل اللّه سبحانه وتعالى ارضاء لذي سلطة أو خوفا منه أو تطلعا إلى متاع من الدنيا * * * وننظر في موضع آخر من مواضع تأويل البقاعي أسلوب التخصيص في قول اللّه عزّ وجلّ : قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ( صّ : 65 ) يرى البقاعيّ أنّ القصر في ( إنما أنا منذر ) قصر موصوف على صفة قصر قلب ، وأنّه في ( وما من إله إلا اللّه الواحد القهار ) قصر صفة على موصوف قصر إفراد يقول : " ولمّا كانت قد جرت عادتهم عند التخويف أن يقولوا : عجل لنا هذا إن كنت صادقا فيما ادعيت ، ومن المقطوع به أنّه لا يقدر على ذلك إلّا الإله ، فصاروا كأنّهم نسبوه إلى أنّه ادعى الإلهية ، قال تعالى منبها على ذلك أمرا له بالجواب ( قل ) أي لمن يقول لك ذلك ( إنّما أنا منذر )
--> هذا حسبان ضلّيل : إنّ الإنسان الأول في هدي الكتاب والسنة إنما هو آدم أبو البشر ، وهو نبيّ خلقه اللّه تعالى بيده وعلّمه الأسماء كلها وأسكنه الجنة نموذج الجمال الحسيّ والمعنوي ، فلم يكن يوما غافلا عن الدلالات المعنوية للكلمات . إن الكلمات لتتسع دلالتها لكثير من المدلولات الحسية والمعنية دون مفاضلة بتقديم أو سبق وضع أو غير ذلك ، وإن تفاوتت درجات الوضوح في الدلالة على هذه المدلولات ، وليس تفاوتا وضعيّا ، فليست دلالة كلمة " العمى " على فقد عين القلب ( البصر ) القدرة على إدراك المحسوسات هي الدلالة الحقيقية الوضعية ودلالتها على فقد عين القلب ( البصيرة ) على إدراك المعنويات هي الدلالة المجازية للمشابهة ، كلا كلمة العمى دالة على فقد القدرة على رؤية الأشياء والرؤية نوعان رؤية لمحسوس الأشياء وهذا لعين الرأس ( البصر ) والرؤية لمعنويها وهذا لعين القلب ( البصيرة ) من فقد أيّهما فهو أعمى حقيقة لا مجازا